في هذا المقال، نبتعد عن الوصف السطحي، ونغوص في التشريح المعماري العميق لكيفية استطاعة هذا المعماري العالمي تطويع مدرسة معمارية يابانية حديثة، لتتناسب 100% مع مناخ إربد القاسي وطبيعة المجتمع الأردني.
1. حركة الميتابوليزم: الجامعة كـ "كائن حي" قابل للنمو
ينتمي كينزو تانغي إلى حركة الميتابوليزم (الأيض المعماري) اليابانية، والتي تعتبر المباني كائنات حية تتوسع وتتغير بمرور الزمن. لم يُصمم تانغي جامعة (JUST) ككتلة مغلقة ومكتملة، بل صممها كـ "نظام معياري" (Modular System).
استند التصميم إلى شبكة هندسية صارمة تسمح بإضافة كليات ومرافق جديدة في المستقبل (وهو ما حدث بالفعل) دون أن يختل التوازن البصري والوظيفي للمسقط الأفقي الأصلي. المبنى ينمو كما تنمو الشجرة من جذعها المركزي.
2. المحور المركزي: البنية التحتية الاجتماعية (Social Condenser)
من أهم أسرار نجاح الجامعة هو التخطيط الحضري الداخلي. رفض تانغي فكرة "الكليات المعزولة والمتناثرة"، وابتكر المحور المركزي (The Spine)؛ وهو ممر مشاة ضخم يربط جميع الكليات.
3. استلهام الفناء العربي وحجب الرياح الشرقية
على الرغم من قسوة الواجهات الخرسانية من الخارج، إلا أن التصميم اعتمد كلياً على فلسفة العمارة الداخلية العربية (Introverted Architecture).
الواجهات الخارجية المواجهة للرياح الشرقية الباردة شتاءً والشمس الحارقة صيفاً، جاءت شبه صماء بنوافذ شريطية ضيقة للغاية. وبالمقابل، تنفتح الكليات من الداخل على "أفنية مركزية" (Courtyards) واسعة ومظللة، تعمل كساحات تنفس للطلاب، وتخلق مناخاً مصغراً (Microclimate) يوفر الإضاءة الطبيعية دون وهج مزعج.
4. المدرسة الوحشية والكتلة الحرارية (Thermal Mass)
استخدام الخرسانة المكشوفة (Brutalism) في مباني الجامعة لم يكن خياراً جمالياً تقشفياً فحسب. في سياق مناخ إربد، تعمل هذه الكتل الخرسانية الهائلة كـ "كتلة حرارية" (Thermal Mass).
تمتص هذه الجدران الضخمة حرارة شمس النهار ببطء شديد، مما يمنع انتقال الحرارة إلى القاعات الدراسية. وعندما تنخفض درجات الحرارة، تقوم بتسريب الدفء للداخل. كما حرص تانغي على اختيار لون الخرسانة ليطابق لون "التربة المحلية"، لتبدو الجامعة وكأنها نُحتت من أرض حوران ولم توضع فوقها.
وقفة نقدية للنقاش
جامعة العلوم والتكنولوجيا هي درس حي للمعماريين اليوم في كيفية استيراد "مدارس عالمية" وإخضاعها تماماً لـ "السياق والمناخ المحلي". العمارة الناجحة هي التي تُهندس "سلوك الإنسان" في الفراغ قبل أن ترسم شكل الواجهة.
برأيكم كمهندسين.. هل افتقدت تصاميم جامعاتنا الحديثة اليوم إلى هذا العمق في تخطيط "الفراغات المشتركة" و"المعالجات المناخية السلبية"؟ شاركوني رأيكم في التعليقات.
شاركنا رأيك المعماري